
النص [ زبد الأوهام ] ، الناصُّ : أ. لمياء البيان ( إنسانة )
النص :
موجة اعتراف مضنية تعتلي سقف ذهني ..
تطرد زبد الأوهام ..
تجمعها مخلفات داكنة لأحلام سكنت تجاويف الروح ذات سذاجة ..
أستل الحقيقة من غمد الواقع ..
أفطم عقلي من رضاعة مزيفة ..
أحترق صمتاً بمساحات مشبعة بحزن ..
أيقظ ظنوناً ساكنة في هجيع الروح !
تتلبسني تحديات لأسئلة متصدعة تتشبث بباطن الوعي دون رحمة ..
تكشف أقنعة الذكريات عن صور قاتمة تزيد روحي انكساراً ..
أزرع حروفي على صفحات عقيمة ..
أنزف جراحي على صدر تباهى بنياشينه ..
إرهاصات تكسر ذراع الاعتراف ..
هل أيمم شطر عقلي وأمضغ انكساري ؟
أم أحمل نعشي وأدفنه في صحراء تهادت في يباب حلم ؟
أو أمضي نحو وجع الموت المتدثر بصقيع الصمت ؟
فجعت أخيراً بأن واقعي لا يتعدى زيف أخذني بعيداً صوب قفار متهدمة ..
سكنت بها أشباح الأمنيات المتقرحة ..
صدمت بأن واقعي ليس إلا أوهاماً عكرت هدوء يأس شاب الروح فألفته ..
ليس إلا أحلاماً توثبت بين أضلاع عوجاء ..
سأرفع يدي عن حلم تدلى من سقف أبتر ..
لن أسجد لصنم الزيف أجتر منه رذاذاً كاذباً !
تجنيس النص :
أجده يعبر حدود الخاطرة إلى قصيدة النثر من خلال لغته وتراكيبه ، لكنه يقصر عن القصيدة النثرية في قربه من الأفهام ، وعدم إيغاله في الغموض الذي تتميز به قصيدة النثر بعمقها وترميزاتها ، وهذا لا يعني خلو النص من العمق المعتمد على إيحائية اللغة التي تتقن الكاتبة شحن مفرداتها وتراكيبها به !
لغة النص :
لغة مفهومة صاغتها الكاتبة بقدرة أدبية جميلة ، وحلتها بحلي البيان الأنيقة والمزاوجات الجديدة ، في صور بلاغية وأسلوبية غاية في الإبداع !
قراءتي :
بعد قراءات كثيرة للنص وجدت الكاتبة تغمس قلمها في دواة همومها ، وتكتب به على بياض الورق ، فكأن النص بمجمله ( آهة ) مكبوتة صارعت روح الكاتبة على إبقاءها انتظارا لغدٍ أجمل ، لكنها لم تستطع الكتمان أكثر ، فكان عنوان النص لوحده ( زبد الأحلام ) حكاية عميقة ، ولأنني قد قرأت للكاتبة الكثير من النصوص ؛ أجد لديها خصيصة تتميز بها جدا في نحت ( عناوينها ) من سويداء قلب النص ، وفوق ذلك في مزاوجات لغوية عميقة الدلالة كـهذا العنوان ( زبد الأوهام ) ، وأتذكر عناوين نصوص أخرى كـ ( زغب الظنون / وكوب الليل .. وغيرها ) وبإعادة النظر إلى عنوان النص مرة أخرى ، وإلى تفسير مفردة ( زبد ) وهي ( الجفاء ) الذي يتشكل على الشاطئ بعد هيجان البحر ، رغوة بيضاء ، أو الزبد المتكون على فم البعير الهائج إذا كان يهدر لعراك جملٍ آخر ، أو في مواسم التزاوج .. فمفردة ( الزبد ) حسية معروفة ، أما مفردة ( الأوهام ) جمع وهم ، فهي مفردة معنوية تدل على التوهم والظن والآمال البعيدة المنال ، فيظل الإنسان يركض خلفها لكن كل الأمر لا يعدو الوهم ..
استحضرت الكاتبة ( الزبد ) المحسوس والذي ينتج عن الحركة والارتجاج ، وأضافتها إلى مفردة ( الأوهام ) لتعطينا بعدا دلاليا جديدا لهذا المدلول المستمد من حقلين لغويين متباعدين ، فكانت النتيجة أن الأوهام من كثرة اعتمالها في ذات الكاتبة كانت كأمواج البحر تضطرب ، فتنتج ( زبدا ) لا فائدة من ورائه ، و بتفحص هذا العمق ، تكون الكاتبة قد أوصلت إلى قارئها فكرة ( عدم جدوى تتبع الأوهام التي تتكاثر فتضطرب ، فلا يكون الناتج إلا زبدا ) وفي هذا ألمح اتكاءً على معنى الآية الكريمة في قوله تعالى : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } الرعد17
تستفتح الكاتبة النص بما يربطه بعنوانها العميق ، فكانت أول مفردة في نصها قولها ( موجة ) وبالبحث عن الوشائج بين الموج والزبد ، يتضح الربط الذكي والدقيق بين العنوان ، فحركة الموجة هي المسؤولة عن تشكل الزبد ، فلنرى ماهي موجة الكاتبة وماذا تفعل :
موجة اعتراف مضنية تعتلي سقف ذهني ..
تطرد زبد الأوهام ..
تجمعها مخلفات داكنة لأحلام سكنت تجاويف الروح ذات سذاجة ..
هذه الموجة ، موجة أخرى ، تختلف عما نعتقدها ، فالأمواج كثيرة تتباين سرعاتها ، ومن خلال هذا التباين يختلف تأثيرها في محيطها ، فالموج العنيف القوى له آثاره والموجات البسيطة أيضا لها آثارها ..لكن موجة الكاتبة كانت مرتبطة ببحر الأوهام الذي يتلاطم في ذاتها ، فكانت الموجة ( موجة اعتراف ) ، وهذه الموجة هادئة تطرد الزبد الذي أفرزه بحر الأوهام ، وبوعي الكاتبة تحدد مكان حركة الموجه ، بأنها ذهنية تعتمل في أفكارها ، والعقل هو سلطان هذه الموجة الاعترافية الطاردة للزبد ، ولا أدل على ذلك من قولها ( مضنية ) فدائما ما تكون قرارات العقل ضد العاطفة متعبة وحاسمة .. ، وهذه الموجة لم تتألف لتكبر وتتحرك من تلقاء نفسها ، بل بسبب ما خلفته الأحلام ، وأجد عمق الكاتبة في استخدام مفردة ( مخلفات ) ، فيا للعجب والعمق الدلالي يسطع شمسا للمتأمل ، لهذا الإسقاط العميق ، فالكاتبة تفضح زمنية تلك الأحلام التي من طول إقامتها في ذهنها ، كانت كالتجمع الحي سواء أكان ( للإنسان أم الحيوان ) الذي تتراكم مخلفاته ، ولابد من التخلص منها كي تكون البيئة أجمل ، وليس شرطا أن نأخذ دلالة ( مخلفات ) بما يتبادر للذهن ، بل نأخذها في سياقها ، لكن بالنظر إلى ما عملته من تعميق للدلالة الزمنية لهذه الأحلام ، وياللهول والكاتبة تصر على التعميق أكثر في وصفها للمخلفات بالداكنة ، لتؤكد على طول الفترة الزمنية ، وكذلك تفعل مفردة ( سكنت ) دليلا على طول الإقامة ، فلو استخدمت مثلا ( نزلت ) ، ستكون مدة الإقامة أقل ربما ، ثم تعيدنا إلى أول مفردة في النص ( موجة اعتراف ) بوصفها أن كل تلك الأحلام كانت وقت ( سذاجة ) ، وجري خلف العاطفة والحلم ، بعيدا عن ضوء الحقيقة .. ، ولو تأملنا تركيب الجملة الصعب والطويل ؛ لاستشرفنا نفسية الكاتبة أثناء الاعتراف ، فقد تكررت في الجملة ثلاثة جموع ( مخلفات / أحلام / تجاويف ) تدل على عظمة الأمر ، ثم استمرت الجملة في اتصال عجيب وطول ،كذلك وكأن الكاتبة تتخلص من ترددها المعتمل في ذاتها وهي تعترف حتى وصلت إلى قناعة ما كانت عليه من ( سذاجة ) وهي تطارد الأوهام !
أستل الحقيقة من غمد الواقع ..
أفطم عقلي من رضاعة مزيفة ..
أحترق صمتاً بمساحات مشبعة بحزن ..
أيقظ ظنوناً ساكنة في هجيع الروح !
بعد الاعتراف المر ، تعود الكاتبة إلى وعيها الآن ، وبكناية عن عزمها على الانتصار ، وزرع إيمانها بقوة ذاتها ، رغم الاعتراف المر ، فقد ذهبت إلى البيان العربي ، وإلى رمز القوة العربية ( السيف ) لتستله ، لكنه لم يكن سيفا عاديا ، بل كان سيف الحقيقة ، الذي جلببه الواقع وخبأه في غمده ، وتركها تلهث خلف الأحلام المضنية ، وهذه الجملة فيها من العمق والبلاغة مافيها ولا أخالها تخفى على المتلقي .. ثم بعدما وقفت على قدميها وشعرت بقوتها تبدأ الكاتبة في عتاب عقلها ، الذي اعتبرته طفلا غريرا عندما لم يسعفها ولم يقف معها إبان الأحلام تعشعش في تجاويف روحها ، فتنزع منه ما اعتبرتها ( رضاعة مزيفة ) وفي هذا رمزية غاية في الروعة ، والواقع الذي أغمد الحقائق عنها ، غرّر بعقلها وكان يغذّيه بالمهدئات والوعود الخادعة ، فتتوالى التراكيب البليغة في الجملتين بشكل عجيب كثيف ( أستل الحقيقة ) ، ( غمد الواقع ) ، ( أفطم عقلي ) ، (
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ